ads980-90 after header

الإشهار 1

نظام عالم جديد يلوح في الأفق بعد جائحة “كورونا”

الإشهار 2

شد أخبار الصحراء – آراء حرة 

شكل انتشار فيروس كورونا  كوفيد 19 صدمة بشرية ، وازمة إنسانية بكل المقاييس ، انتشرت انتشار النار في الهشيم ، و ضربت بوتيرة متسارعة كل أقطار المعمور . جائحة عبرت الحدود، و خلفت العديد من الضحايا ، فتوقف بسببها الإنتاج ، و شل الاقتصاد العالمي.

أكيد، أن وباء  “كورونا ” ، باعتباره سابقة كونية في تاريخ هذا العصر الحديث للبشرية ، سيكون لما بعد زمنه ، جراء تأثيره الذي سيحتم إحداث تغييرات بنيوية إستراتيجية عميقة على المستوى العالمي ، ما من شأنه ان يخلخل التوازنات ، ويغير معادلات العلاقات الدولية ، ويحدث نظام أقطاب وتكتلات جديدة.

لقد كشفت كورونا ان أفضل المنظومات الصحية التي كان الجميع يعتقد جازما انها تعد من ارقاها و اكثرها تطورا ، من قبيل الولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا وإسبانيا  ، بالإضافة إلى البرازيل ، لم تصمد أمام شراسة و فجائية هذه الجائحة ، وكشف أمرها بانها لم تكن جاهزة ومؤهلة لمثل طوارئ هذه الجائحة ، فانهارت امامها وعجزت عن احتوائها و تطويقها و الحد من خطورة تنامي رقعة انتشارها ، وهو ما يفرض على كل دولة ان تستفيد من دروسها وتغير من إستراتيجياتها .

صحيح، ان أزمة ” كورونا ” تشكل مرحلة حاسمة في تاريخ البشرية ، وستدفع حتما العالم لهيكلة نظام دولي جديد ، نظرا للتداعيات الاجتماعية والاقتصادية ، والنفسية ، والأمنية  التي خلفتها هذه الجائحة ، في مختلف المجالات ، وما طرحته من تحديات ، كان من المفروض التحكم فيها و التغلب عليها ، بصفة مشتركة ، إن كانت تتوفر المنظومة العالمية ، والقانون الدولي ، على إطار للتعاون والتكامل بين  الدول ، في مثل هكذا وضعية وبائية عالمية ، وهي أبعاد أخلاقية تتطلب مراجعة في نطاق منظومة صحية إنسانية ، ترتكز على الإنصاف والعدالة في إطار وحدة قيم، مركزيتها الأخوة الإنسانية و التضامن والتعاون بين كل الاقطار .

 من هذا المنظور ، فالمنتظم الدولي ، في ضوء هذه الجائحة العالمية ، مطالب بمراجعة هذه المنظومة بكل أبعادها الاجتماعية  والاقتصادية ، والسياسية ، والفكرية ، والسلوكية ، في اتجاه إرساء إستراتيجية جديدة ، برهانات جديدة ، وديناميات بديلة كفيلة بان تحدث تغييرا في العلاقات الدولية ، وإرساء نظام عالمي جديد.

من المؤكد ، ان بعد زوال فيروس هذه الجائحة ، وما طرحه من تداعيات ، تعاملت معها كل دولة على حدى بصفة منفردة ، في إطار تدابير على المستوى الوطني ، سيدفع جراء هذه الوضعية ، بان يتشكل العالم في حلة جديدة ضمن منظومة عالمية جديدة ، ينتظر أن تتأسس في إطار تكتلات وتحالفات مغايرة لنمط ما قبل هذه الجائحة ، ووفق إستراتيجيات ومصالح نظام جديد في العلاقات الدولية .

لذلك و من أجل ذلك ، يجب أخذ العبرة و اعادة النظر في واقع عدم جدوائية بعض التكتلات التي تنبني فقط على المصالح الاقتصادية والعسكرية ، دون إعطاء الأهمية لما  يجب ان يكون مركزيا ، ألا وهو خدمة مبادئ التضامن والتكافل في مثل هكذا ازمات صحية.

فمن المفروض ، اليوم ، وأكثر من أي وقت مضى ، ان تتضامن هذه الدول في ما بينها ، تبعا لميثاق التعاون الذي يقره اتحادها الذي سجل عنه التقصير وعدم التآزر في الدعم في ما بين دولها للتصدي لهذه الجائحة ، درءا لتكرار الواقع المأساوي المرير و التجربة الكارثية التي عاشها الاتحاد الأوروبي في ظل هذا الوباء الذي فضح هشاشة بناء الاتحاد ، لأنه عند الشدائد و الملمات تختبر الصداقات.

ويستنتج في هذا السياق ، أن  “عقدة ” فيروس” كورونا” ، ستدفع  المواطن العالمي برمته بان يتعامل ، بنظرة جديدة ، بشان كل المجالات الحياتية على المستويين الشخصي والمجتمعي لبلده.

إن فقدان العديد من الناس ذويهم ، عبر العالم ، وتزايد عدد الإصابات والصدمات ، والأضرار المادية ، والمعاناة النفسية التي أصابت البشرية جمعاء أمام ذهول كبير ، هي جروح لن تندمل بسرعة لكل من عايشها على مختلف الفئات العمرية ، وهو ما من شأنه أن يخلف ردود أفعال على جميع التصرفات والاختبارات و البرامج مستقبلا  .

و ارتباطا بهذا التصور و الرؤية ، تجدر الإشارة إلى ان من حسنات هذا الوباء ، ما سيترتب عنها من بوادر إيجابية على العالم اكثر من أي وقت مضى ، بحيث اضحى مفروضا  الاستثمار في ميادين الصحة ، والتعليم ، والبحث العلمي ، والأمن الغذائي، ومسألة

القيم، والحكامة ، بحكم انها مجالات بينت أهميتها القصوى في هذه المرحلة لدى الأنظمة والشعوب على حد سواء .

ومما لا شك فيه، وتبعا لما املته القراءة الموضوعية لمخلفات هذه الأزمة الوبائية، يتضح بما لا يدع مجالا للشك أنه

بعد تخطيها، ستعمل معظم الدول على تقنين ميزانياتها المالية في ما هو انفع لمواطنيها في معيشهم اليومي ، و اعتماد السياسات العمومية التي تخدم مصالحهم ، بدون تبدير في التسابق المحموم نحو التسلح ، واختلاق الحروب والنزاعات والأزمات التي تخلف الضحايا والدمار،  وبالتالي تؤثر تبعاتها الوخيمة على جميع المستويات .

و للأسف الشديد ، فمجالات الأعمال القيمة التي تحث على القيم النبيلة والمواطنة الحقة ، لا تحظى بالاهتمام الذي ينبغي أن تناله وتحظى به من عناية وتقدير ، في الوقت الذي تتقدم فيه بعض الثقافات التافهة والساقطة بالشهرة والمتابعة الواسعة .

إن الواقع او الوضعية التي طرحتها أزمة  “كورونا ” ، وما ستخلفها من تبعات على الصعيد العالمي في مختلف المجالات ، اكدت  على ان الإنسان ، بغض النظر عن جنسه ، ولونه ، وعرقه ، ودينه وطبقته ، يجب ان يحظى بنفس المعادلة مع أخيه الإنسان ، في كرامته ورفاهيته وتمتيعه بفعلية حقوقه الإنسانية الواجبة ، لاسيما  في مجالات الصحة والتعليم والمعرفة والتنمية المستدامة ؛ باعتبارها قضايا من المفروض ان يهتم بإصلاحها ، وإلا ستتأثر باقي البشرية، حينما تحدث هكذا أزمات وبائية …

لقد أبانت هذه الأزمة العالمية ان مثل هذا الداء الخطير جراء انتشار عدواه الذي لا يفرق في الفتك والقتل والرفع من منسوب
الإماتة ،  يعبر الحدود ، ويحصد ارواح كل أفراد الشعوب بدون استثناء . فحينما اجتاح وتفشى بشكل كبير ، فهو لم يسثن  لا الافراد او المجتمعات كيف كانت مستوياتها ، دون تمييز بين الوزير والفقير و بين العالم والجاهل وبين القوي والضعيف وبين المؤمن والكافر…

نتيجة لذلك ، وجراء افتقار منظومة صحية جاهزة وفاعلة ، سواء على المستوى العالمي ، او الوطني، على صعيد كل دولة للتعامل مع هذه الجائحة ، عقد اكثر وضعية الوباء الذي كان من المفترض مقاومته في إطار من التعاون الدولي المشترك .

ومن هذا المنطلق ، تبرز الحكمة الربانية في مشيئة خلقه بأن جعلنا  شعوبا وقبائل لنتعارف ، ونتعاون لا لنتقاتل ، كما يحدث الآن في العديد من بؤر التوتر والنزاعات في مجموعة من مناطق العالم التي  تتسابق نحو شراء الأسلحة ، والمتاجرة في بيعها من طرف الدول الكبرى التي تصنعها ، بما في ذلك إنتاج أسلحة الدمار الشامل .

اكيد ان هذا التقدم العسكري لم يجد نفعا إزاء هذا الوباء الذي انتشرت عدواه في كل بقاع الكرة الأرضية بشكل متسارع .

ومن هذا المنظور ، كشف فيروس  “كورونا ” ان العالم ليس متضامنا ،  بالشكل اللازم المنشود و المطلوب ، مما يتأكد معه ، أكثر من أي وقت مضى ، بأن البشرية في حاجة ماسة للعلم والمعرفة والقيم التي تعزز آواصر التكافل الإنساني في المجالات التي ينبغي ان تكون جامعة بما يخدم البشرية في الجوانب المشتركة ، كالصحة  والمعرفة والقيم الإنسانية التي تحث على التضامن والتآزر ، وليس اختلاق التوترات والنزاعات ، كما يحدث اليوم في العديد من بقاع العالم .

ومن هنا ، ينبغي طرح سؤال يفرض نفسه في ظل هذه التداعيات التي طرحها هذا الوباء الفتاك ، و يمكن صياغته كالتالي :

هل العالم سيتغير نحو الافضل ، وينهي مع  هذه التهورات ، في ظل انتشار الفوضى والكراهيات، والحكم أحيانا بقانون الغاب ؟

لقد تأكد أن الخلاص رهين بالاستثمار في الرأسمال البشري وتأهيله والايمان الصادق الراسخ بأنه يستحق بل يجب اعتباره الرهان الأساسي لهذه الركائز الأساسية ، وذلك بتطوير منظومة البحث العلمي ، وتملك المعرفة التقنية ، والرقي بمسألة القيم الفضلى

للإنسان، و الاقتناع بان الماديات والكماليات لا طعم لها بدون شعوب  مثقفة ، واعية بمسؤولياتها في خدمة البشرية جمعاء ؛ مادام ان العالم أصبح في إطار العولمة قرية صغيرة يخضع لعمليتي التأثير والتأثر إما سلبا أو إيجابا .

بقلم ذ الحسن لحويدكفاعل جمعوي بجهة الداخلة وادي الذهب

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5